د. كمال محمد المصري المدونة الشخصية

تحليلات – معلومات – معرفة – أخبار

التداعيات الاقتصادية لفوز أقصى اليسار في اليونان على المنطقة

د. كمال المصري

الفوز السهل الذي حققه حزب “سيريزا” اليوناني (أقصى اليسار) في الانتخابات البرلمانية و تشكيله الحكومة القادمة يلقي بظلاله بشكل قوي على واقع الاقتصاد الأوروبي وربما العالمي. فالحزب الجديد الذي يقوده أليكسيس تسيبراس يهاجم بشدة المنظومة الاقتصادية الحالية ويعتبرها سببا لكل مشاكل اليونان الاقتصادية. هذا التحول يثير العديد من التساؤلات حيث أنه يعزز المخاوف من احتمالات خروج اليونان مستقبلا من منطقة اليورو مما يهدد بانهيار العملة الموحدة وربما الاتحاد الأوروبي. ما هي سيناريوهات هذا التحول وما هي التبعات الاقتصادية المتوقعة على الصعيدين الأوروبي والعالمي ؟

Greece_2296452b

حزب سيريزا ينتمي إلى ما يعرف ب”أقصى اليسار”. وهو تيار مهمّش عادة في الدول الغربية بخلاف الأحزاب اليسارية المهيمنة مثل الأحزاب الاشتراكية والأحزاب البيئية. حتى الأحزاب الشيوعية استطاعت أن تجد لها مكانا على الخارطة السياسية للدول الغربية. هذا التهميش أدى إلى تقارب كبير بين أتباع هذا التيار وباقي الفئات الضعيفة في المجتمعات الغربية وعلى رأسها ذوي الدخل المحدود والأقليات، وسمح لأتباعه بتبنّي توجهات فكرية مخالفة للتيار السائد في الغرب.

العديد من القادة الأوربيين أعربوا عن قلقهم لفوز سيريزا وعلى رأسهم المستشارة الألمانية ورئيس الوزراء البريطاني. مسئولون آخرون وصفوا الحزب بأنه “شعبوي” (Populist) ومتطرف وذلك بسبب مواقفه الصريحة من النظام السائد. برأيي، من حق هؤلاء المسئولين أن يقلقوا. فمنذ أشهر يردد أنصار حزب سيريزا شعارات مناهضة للرأسمالية حيث طالب بعضهم بالخروج من منطقة اليورو وبعدم الرضوخ لشروط الترويكا المُقرِضة (البنك المركزي الأوروبي، المفوضية الأوروبية، وصندوق النقد الدولي) وعلى رأسها اتّباع سياسيات تقشفية أدت إلى انهيار النمو الاقتصادي وارتفاع معدلات البطالة بمعدلات خيالية في اليونان.

هل مستقبل اليورو في خطر؟

هناك العديد من المخاوف الواقعية حول إمكانية حصول مواجهة بين الحكومة اليونانية الجديدة وأقطاب النظام المالي الأوروبي يمكن أن تؤدي لاحقا إلى فرط عقد العملة الأوربية. ومع ذلك، فإن من غير المتوقع أن تقدم حكومة اليونان على مثل هذه الخطوة لأنها تدرك مغزاها والتداعيات المتدحرجة التي يمكن أن تسببها.

برأيي، فإن حزب سيريزا محق في كثير من الأمور، فالعجز في الناتج القومي الذي يصل إلى حوالي 12% سببه أساسا الإجراءات التقشفية المفروضة من قبل الترويكا وكذلك النفقات الاستثنائية المتعلقة بالديون وبإصلاح البنوك … لذلك سيكون من أهم محاور برنامج حزب اليسار الراديكالي، وهي التي ضمنت له هذا الفوز التاريخي، محاولة إنعاش الاقتصاد من خلال تحسين مستوى دخل الفئات المهمّشة. لذلك فمن المتوقع أن يتخذ الحزب إجراءات مثل رفع الحد الأدنى للأجور وتخفيض الضريبة على دخل الفئات الفقيرة والمتوسطة. كل ذلك بالتوازي مع إعادة التفاوض حول ديون اليونان ومحاولة إلغاء جزء منها وإعادة جدولتها بحيث يتم تعليق السداد لفترة معينة.

الألمان والفرنسيون، أصحاب الجزء الأكبر من الدين اليوناني، امتعضوا كثيرا من احتمال مطالبة الحكومة اليونانية الجديدة بإعادة التفاوض حول مديونية اليونان وحذروا من أنهم لن يسقطوا ديون اليونانيين على حساب أموال دافعي الضرائب في بلادهم.

قضية كرامة وطنية وظلم اقتصادي

الكثير من اليونانيين ينظر بكثير من الغضب إلى المواقف والتصريحات الألمانية والفرنسية التي تنطوي على كثير من الإهانة للشعب اليوناني علما بأن اليونان كان من الدول التي ساهمت في سداد دين ألمانيا الشرقية لدى سقوط سور برلين !

بالإضافة إلى ذلك، فإن الشعب اليوناني يعتبر أن المليارات التي دفعت لا يعرف أحد مصيرها ولم يستفد منها المواطنون، وإنما دفعت لإنقاذ مصالح قوى متنفّذة في أوروبا لدعم منظومة مالية ومصرفية فاسدة، وأن من الظلم معايرة شعب اليونان بهذه الأموال.

وبرغم ذلك كله، فإن الشعارات التي أوصلت سيريزا إلى الحكم تختلف عن الواقع الاقتصادي للبلاد والذي يحتاج فعلا إلى إصلاحات شاملة. فالاقتصاد اليوناني يعاني من مشاكل هيكلية عديدة سببها الفساد الذي كان سائدا في الفترة الأخيرة بالإضافة إلى بعض العوامل الثقافية التي تتعلق بنظرة اليونانيين إلى النظام الرأسمالي وثقتهم فيه.

لذلك فإن حكام اليونان الجدد لن يخاطروا بمواجهة القوى الأوربية الكبرى وسيحاولون التوفيق بين الطرفين. فمن جهة ستحاول الحكومة التخفيف من سياسة التقشف حتى يشعر المواطن اليوناني بتحسن ملموس في مستوى معيشته، ومن جهة أخرى، سيستمر الحزب في إرسال رسائل طمأنة لقادة الاتحاد الأوروبي مفادها أن اليونان ستبقى ابن الاتحاد الأوربي ولكن يجب معاملته بمزيد من الاحترام والخصوصية.

صفقة الغاز مع إسرائيل ومصر

فيما يتعلق بالعلاقة مع الشرق الأوسط، فبعد السقوط المدوي لرئيس الحكومة اليونانية السابق أنطونيس ساماراس، والذي يعتبر حليفا لإسرائيل، من المتوقع أن تتضرر علاقة اليونان مع النظام المصري الحالي ومع إٍسرائيل مما سيترتب عليه واقع جديد فيما يتعلق باتفاقية الغاز الموقعة مؤخرا، والتي كانت تهدف إلى محاصرة تركيا في المنطقة.

وقد ظهرت بعض بوادر الاختلاف في السياسة اليونانية حيث تم تعيين الأكاديمي ذي الرؤية الاقتصادية المتطرفة يانيس فاروفاكيسوزيرا للمالية، وبدأت بوادر التودد إلى روسيا التي تعتبر ملاذ الأحزاب المتطرفة في أوروبا، اليسارية منها واليمينية.

الخلاصة

الحكومة الجديدة لن تدخل في مواجهة مع أوروبا لسببين : الأول أنها تعرف تبعات ذلك. فمن حيث المبدأ لا يجوز لأي دولة التراجع عن الانتماء إلى منطقة اليورو وإلا، فإن ذلك يعني خروجها من الاتحاد الأوروبي (المادة 5 من معاهدة لشبونة). والآخر هو أنها تحتاج إلى قروض إضافية منتظر الحصول عليه وقيمتها حوالي 10 مليارات يورو خصوصا وأن اليونان لا تستطيع الاقتراض وحدها بدون تغطية أوروبية.

ألمانيا المعادية لفكرة فوز سيريزا والتي تهدد اليونان بهذا السيناريو، تعرف ذلك أيضا خصوصا وأن فرنسا تفرض عليها الاعتدال في مواقفها تجاه اليونان خشية انهيار الاتحاد الأوروبي.

قد تطالب الحكومة الجديدة بإعادة جدولة الدين المقدر بمئات مليارات الدولارات لليونان وتجميد دفع فوائد الدين وضخ هذه الأموال لصالح تحسين حياة اليونانيين وتنمية الاقتصاد المحلي الذي يعاني بسبب التقشف.

وفي جميع الحالات فإن فوز أقصى اليسار سيطرح العديد من الأسئلة تتعلق بمدى قبول الشعوب الأوروبية للمنظومة الرأسمالية الحالية التي تعمل بآلية الطرد المركزي بحيث تجذب الأقوياء وتطرد الضعفاء الذين يزداد عددهم يوما بعد يوم مما يعزز شعور الأوروبيين بعدم عدالة النظام الاقتصادي الذي طالما صُوِّر لهم أنه الأكثر عدالة في التاريخ. ومن المتوقع أن تسود علاقة فاترة مع ألمانيا وفرنسا كونهما أكثر دولتين حريصتين على استمرار المنظومة الأوروبية ويعتبرهم الشعب اليوناني عنوانا للإهانة الذي تعرض لها طوال السنوات الأخيرة. وبرأيي سيكون من المنطقي الاعتبار بأن مستقبل العملة الأوربية الموحدة أصبح أقل استقرارا بعد فوز سيريزا، وخصوصا إذا ما تمكن فريق أليكسيس تسيبراس من تحقيق نجاحات اقتصادية تحقق طموحات اليونانيين وتثبت أن المشكلة كانت في القوة الرأسمالية الكبرى وليست في الشعب اليوناني.

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: