د. كمال محمد المصري المدونة الشخصية

تحليلات – معلومات – معرفة – أخبار

قراءة في الهبوط الأخير لأسعار النفط

د. كمال المصري

بعد أن لامس المائة وخمسين دولارا للبرميل خلال العام 2008، عاد سعر النفط ليهوي إلى أدنى مستوياته في خمس سنوات. هذا الهبوط الكبير والسريع لسعر الخام الأسود في السوق العالمية إلى ما دون السبعين دولارا للبرميل يطرح أسئلة عديدة تهم الدول والشركات والمستهلكين. يتناول هذا المقال باختصار قضية أسعار النفط من خلال ثلاث نقاط وهي : أسباب انخفاض الأسعار، آثار هذا الانخفاض، وأخيرا من المستفيد من هذا الانخفاض ؟

opep-grand

لماذا هبطت الأسعار ؟

برغم دخول فصل الشتاء والمعروف عادة بأنه يزيد من استهلاك الطاقة مما يؤدي إلى رفع أسعار الموارد الطاقوية بجميع أشكالها، إلا أن عوامل عدة أدت إلى انخفاض سعر الذهب الأسود، بعضها مرتبط بالعرض، والبعض الآخر يتعلق بالطلب. أما فيما يتعلق بالعرض، فإن زيادة العرض لها عدة أسباب أهمها :

  • “الاستقرار ” السياسي النسبي للدول المصدرة للنفط بعكس ما كان متوقعا،
  • ارتفاع معدلات إنتاج الزيت الصخري (Shale oil) وخصوصا في الولايات المتحدة التي تنتج منه حوالي تسعة ملايين برميل يوميا وهو رقم كبير جدا مقارنة بالماضي،
  • زيادة العرض من النفط التقليدي بعد موجة ارتفاع الأسعار الأخيرة حيث استثمرت الدول المنتجة للنفط مبالغ ضخمة في منظومة الاستخراج،
  • الاستثمارات الضخمة في التقنيات الجديدة لاستخراج النفط الأصهب استخراجا “العميق”، وفي مجالات الطاقة البديلة مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح وغير ذلك، وذلك بفضل ارتفاع سعر الخام في الأعوام الأخيرة مما عزز الجدوى الاقتصادية لهذه البدائل.

أما من ناحية الطلب فهناك عوامل مناخية عابرة مثل التوقعات بانخفاض الطلب العالمي بسبب ضعف النمو الاقتصادي العالمي بشكل عام وخصوصا لدى بعض الدول النامية التي تستخدم الطاقة بشكل كثيف ؛ وهناك أيضا أسباب هيكلية تتعلق بالإجراءات التي اتخذتها الدول المتقدمة من أجل ترشيد استهلاك الطاقة، وبضعف القدرة الشرائية للمواطنين في هذه الدول،

يمكن أن نضيف إلى ما سبق بعض الأسباب المتعلقة بالأسواق المالية حيث أن تَحسّن أداء أسواق المال وارتفاع أسعار الدولار أدّيا إلى العزوف عن شراء المواد الخام وعلى رأسها الذهب والنفط. هناك أيضا أسباب ذات طابع سياسي أهمّها على سبيل المثال مثل رغبة الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها في إغراق السوق وخفض أسعار النفط للتأثير سياسيّا على دول مثل إيران وروسيا.

ما هو الأثر المتوقع لانخفاض النفط ؟

بالنسبة للمستهلك النهائي

فمن المتوقع أن يكون أثر هذا الانخفاض على المستهلك النهائي، محدودا، وذلك يعود لعدة أسباب أحدها ارتفاع سعر صرف الدولار وهو العملة التي يباع بها النفط. السبب الأهم هو أن أسعار المنتجات البترولية النهائية لا تتأثر بشكل فوري بتغير أسعار النفط لأن سعر النفط الخام يشكل فقط ثلث السعر النهائي الذي يدفعه المستهلك، وأما الباقي فهو يعود إما لتكلفة التكرير والتوزيع ولأسباب فنية أخرى مماثلة، وإما للضرائب المختلفة التي تفرضها الحكومات على المحروقات والتي قد تصل إلى نسبة 90% في بعض الدول.

في نفس الوقت، يمكن أن يستفيد المستهلك العادي من انخفاض سعر النفط بطرق أخرى من خلال انخفاض أسعار السلع الصناعية والخدمات التي يتطلب إنتاجها كميات كبيرة من الطاقة. فمن المعروف أن هناك قطاعات كثيرة يمكن أن تتأثر بهذه الأسعار مثل شركات النقل والمواصلات وخصوصا شركات الطيران، وكذلك هناك صناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة مثل الألمونيوم والأسمنت وما شابه. هذا الانخفاض سيؤدي بالضرورة إلى خفض تكلفة الإنتاج وبالتالي إلى تعزيز المنافسة وخفض الأسعار، ولكن في جميع الحالات من المتوقع أن يتطلب الأمر فترة زمنية قبل أن تعكس الشركات المنتجة هذا الانخفاض على الأسعار النهائية.

ماذا عن الدول ؟

الأمر واضح بالنسبة الدول المستهلكة للنفط ومعظمها من الدول المتقدمة، فانخفاض الأسعار يشكل دعما قويا لموازناتها السنوية. ولكن الأمر مختلف بالنسبة للدول المنتجة للنفط. فممّا لا شك فيه أن ميزانيات الدول المصدرة للنفط وفي مقدمتها الدول الخليجية وروسيا (تشكل صادرات النفط والغاز حوالي نصف الموازنة السنوية) ستتأثر كثيرا بهذا الانخفاض العنيف للأسعار خصوصا إذا استمر لفترة طويلة.

هل من مصلحة الدول المصدرة أن تبقى الأسعار مرتفعة دائما ؟

ولكن من المرجح أيضا أن سياسة خفض الأسعار التي تنتهجها السعودية وبعض الدول المصدرة للنفط يمكن أن تؤدي إلى تحطيم أي إستراتيجية للاستغناء عن النفط قد تفكر في تبنّيها الدول المستوردة للطاقة. فعلى سبيل المثال، يمكن أن يؤدي انخفاض أسعار الطاقة لفترات طويلة إلى إضعاف أهمية الاستثمار في الوسائل البديلة لإنتاج الطاقة سواء أكان ذلك يتعلق بمنصات استخراج النفط بطرق مختلفة وغير تقليدية، أو بتوليد الطاقة البديلة (الطاقة الشمسية، طاقة الرياح، الطاقة الجوفية الجيوحرارية، …)، لدرجة إيقاف هذه المشاريع. ومما لا شك فيه أن توقف الاستثمار في المشاريع البديلة سيؤدي على المدى البعيد إلى انخفاض المعروض من الطاقة ويسبب موجات ارتفاع أسعار غير مسبوقة.

الخلاصة

باختصار، انخفاض أسعار النفط بهذه الطريقة ناتج عن عدة عوامل منها ما هو مناخي عابر، ومنها ما هو هيكلي يمكن أن يستمر على المدى الطويل. وعلى العموم، فعلى المدى القصير والمتوسط، فإن المستفيد الأول من هذا الانخفاض هو الدول المتقدمة لأنها أكبر مستهلك للنفط الخام سواء للاستخدام الذاتي أو للتكرير وإعادة التوزيع. وأما على المدى الطويل، فإن هذا الانخفاض سوف يؤدي إلى تعطيل فرص إنشاء وتدشين مصادر بديلة للطاقة مما ينذر بعودة ارتفاع أسعار النفط لمستويات قياسية في غضون عامين أو أكثر، وهذا ما ترغب به بعض الدول النفطية التي تمتلك رؤية بعيدة المدى في هذا المجال. وحتى ذلك الحين، فإن من المتوقع أن تستمر أسعار النفط في الانخفاض ولكن بوتيرة أقل مما شهته في الأيام الأخيرة الماضية.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

Information

This entry was posted on ديسمبر 2, 2014 by in Economics and tagged , , .

الابحار

%d مدونون معجبون بهذه: