د. كمال محمد المصري المدونة الشخصية

تحليلات – معلومات – معرفة – أخبار

هل سينهار حلم تركيا الحديثة الذي قاده رجب طيب أردوغان ؟

د. كمال محمد المصري

يتابع العديد من المحللين بشغف شديد ما يحدث على الساحة التركية، فمنذ أن فرضت تركيا نفسها كلاعب قوي على الساحة الدولية تنافس الكبار على الصعيدين السياسي والاقتصادي، حتى بدأت الأزمات الداخلية المدعومة من قوى إقليمية ودولية تتوالى دون انقطاع. كان آخر هذه الأزمات استقالة عدد من وزراء حكومة رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان عقب تحقيقات قضائية طالت شخصيات مقربة منهم.

 مصدر الأزمة الأخيرة

ترجع أسباب اندلاع هذه الأزمة إلى “تآمر” حركة دينية تركية، كانت في السابق حليفا تكتيكيا لأردوغان، مع قوى داخلية وخارجية مستفيدة من السياق الدولي لإسقاطه وذلك بسبب خلافات سياسية.

حركة “حزمت” (خدمة) التي يقودها فتح الله غولن الذي يعيش في الولايات المتحدة منذ 1999 تمتلك نفوذا واسعا في الأوساط الفكرية والسياسية، وفي مؤسسات الدولة التركية وخصوصا الشرطة والقضاء. تمتلك حركة غولن ملايين المريدين في العالم وهي حركة تبشيرية تؤمن بالرأسمالية وتربطها علاقات وثيقة مع حركات دينية مسيحية مثل “اليسوعية” وهي حركة تبشيرية نشيطة جدا في الغرب. كانت هذه الحركة تدعم حزب العدالة والتنمية منذ العام 2002 ضد الجيش وضد العلمانيين وذلك لسببين، الأول تكتيكي ليهدف إلى محاربة استبداد الجيش والطبقة العلمانية الأتاتوركية في تركيا في ذلك الوقت؛ والأخر يتعلق بالبعد “الاجتماعي” لأن القاعدة الشعبية لهذه الحركة تتشابه كثيرا مع مؤيدي حزب العدالة والتنمية حيث تركز على الطبقة الوسطى المحافِظة ذات التوجهات الاقتصادية المنفتحة.

بإجماع الكثير من الخبراء، فإن هذا الدعم انتهى على ما يبدو، بل تحوّل إلى عداوة مع حزب العدالة والتنمية بعد إقرار الأخير مؤخرا قانونا يهدف إلى إلغاء الآلاف من المدارس الخاصة التي توفر مصدرا مهما للدخل والنفوذ لصالح حركة فتح الله غولن.

الوضع الإقليمي والدولي لم يكن غائبا عن الموقف، فبالرغم من أنه يمكن أن ننظر إلى هذا الخلاف في  إطار صراع تقليدي على السلطة وعلى المشهد السياسي المستقبلي للبلاد التي تتمتع الآن بنوع من الاستقرار السياسي، وضمن سعي حركة غولن إلى استغلال المظاهرات الأخيرة المناهضة لحزب أردوغان، فإنني أعتقد بأن الذي أثار شرارة هذه العداوة هو أمر خارجي له علاقة بالحلف الجديد الناشئ بين الولايات المتحدة محور “الاعتدال” في المنطقة بعد أن انضمت إليه إيران وسوريا ! فقد أصبحت تركيا أردوغان تلعب في ملاعب الكبار، وتتبنى مواقف دولية مستقلة عن واشنطن، وقد برز ذلك جليا في الأزمتين المصرية والسورية وفي العلاقة مع إسرائيل، وحتى في إطار حلف شمال الأطلسي حيث عبرت تركيا عن هذه الاستقلالية بشكل قوي بعد أن قررت مؤخرا اقتناء منظومة صواريخ صينية بدل الغربية. إن تعاظم قوة تركيا الاقتصادية والعسكرية في ظل ركود اقتصاديات الغرب المنهكة يشكل عامل اختلال في موازين القوى الدولية بالنسبة لواشنطن.

Turkey

التحديات التي يواجهها أردوغان عديدة

مشكلة أردوغان الرئيسية هو أنه يواجه أعداء كُثُر داخليا وخارجيا خصوصا وأن حزبه يحكم منذ فترة طويلة وأن الانتعاش الاقتصادي الذي أوصل البلاد إليه أصبح يعتبر مكتسبا بالنسبة للأتراك ولم يعد يكفي لكسب المزيد من الشعبية، وأيضا لأن شعار الحزب كان دائما النزاهة والشفافية ونظافة اليد، وأي تشكيك في هذه النزاهة يدعم القوى المعارضة. يمكن أن نتوقع أيضا وجود بعض الخلافات داخل حزب أردوغان نفسه خصوصا بعد النجاحات المتوالية التي حققها هذا الحزب. لا ننسى أيضا الجيش التركي لا يزال يشكل تهديدا جدّيا على الساحة السياسية التركية.

 الأزمة ليست خطيرة بالشكل الذي تصوره بعض الدول المعادية لحزب الحرية والعدالة

برغم ما سبق، وبرغم تأكيدات الكثير من زعماء الدول والمفكرين المعادين لحكومة أردوغان بأن حلم تركيا انتهى، وأن “حكم الإسلاميين في تركيا” قد انهار، …، فإن جميع المؤشرات تدلل على أن إنجازات حزب العدالة والتنمية ستمكنه حتما من اجتياز هذه المرحلة الصعبة.  أيضا، باعتقادي فإن هذه الأزمة إنما تؤكد على أن مؤسسات الدولة التركية تعمل بشفافية عالية وهذا مؤشر على نضوج ورقيّ التجربة التركية حيث تتوزع مراكز القوة على مختلف مؤسسات الدولة والتيارات السياسية المختلفة بعكس ما يحدث في الدول العربية، وفي جميع الأحوال فإن القضايا التي يتم التحقيق فيها ليست إجرامية بالمعنى الشخصي الذي تعرفه الدول العربية ولكن الأمر يتعلق بقضايا “فساد إداري” لصالح أحزاب ومؤسسات وهي من ذات النوع الموجود بكثرة في الدول الغربية الأكثر تقدما. وعلى العموم فالقضاء لا يزال يحقق في هذه القضايا المزعومة ولن يتوانى أردوغان عن تقديم المسئولين للعدالة في حال ثبوت إدانتهم.

 

المستقبل السياسي لحزب العدالة والتنمية

أردوغان كان محقا نوعا ما عندما وصف ما حدث بالمؤامرة لأن حركة غولن استغلت نفوذها في الدوائر الشرطية والقضائية لتدبر بالتعاون مع جهات داخلية وأجنبية (لم تحدد بعد) مخططا لإضعاف أردوغان. رد أردوغان كان أيضا موفقا، فقد بدأ بتفكيك هذا النفوذ بطريقة قانونية حيث أقال عددا من المسئولين على رأسهم رئيس شرطة إسطنبول القوي وذلك بتهمة عدم إخبار مسئوليهم في الحكومة بالتحقيقات الجارية وهذا مخالف للقانون ويعتبر “مؤامرة”.

أبرز التطورات السياسية القادمة ستُعرف خلال الربع الأول من العام القادم. فالانتخابات البلدية مطلع العام القادم قد تكون مؤشرا على مدى تماسك شعبية أردوغان ولكنها ليست بالضرورة معبرة عن الواقع السياسي على مستوى تركيا لأن أداء البلديات الذي يشعره المواطن التركي لا زال قويا بفضل التعاون مع الحكومة وهذا سيؤدي إلى فوز حزب العدالة والتنمية بدون صعوبة. التحدي الحقيقي سيكون في الانتخابات التشريعية القادمة (مارس 2015). هذه الانتخابات مهمة جدا للحكومة حيث أنها ستشكل سلَّما للانتخابات الرئاسية في أغسطس 2015 والتي توقعت الاستطلاعات أن يفوز فيها حزب أردوغان بقوة.

 

في النهاية يمكن القول بأن المخاطر التي يواجهها أردوغان تبقى محدودة فالجيش يعرف جيدا أنه لم يعد اللاعب الرئيسي في الساحة السياسية، والمعارضة تدرك أنها يجب أن تستغل المناخ الديمقراطي الموجود في تركيا لكي تحظى بفرصة احترام وشعبية.  أوروبا من جهتها غير معنية بالفوضى في تركيا، وأما الولايات المتحدة، فبتقديري لن تجرؤ على الدخول في لعبة على هذا المستوى في الوقت الحالي. باعتقادي فإن تكالب العديد من الجهات الإقليمية والدولية على حزب العدالة والتنمية يهدف إلى إيصال رسالة إلى أردوغان بأنه يجب أن يرفع يديه عما يحدث في مصر وسوريا وفلسطين، وأعتقد أن أردوغان سيكون مضطرا لسماع هذه الرسالة في الوقت الحالي. ولكن فيما يتعلق بالمستقبل، فإن عناد أردوغان وشخصيته القوية سيجعلانه يمضي قدما في بناء تركيا الجديدة ذات التأثير الإقليمي والدولي سيقدم حزب العدالة والتنمية على خوض التحدي التاريخي الذي فرضه عليه خصومه في الداخل والخارج.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: