د. كمال محمد المصري المدونة الشخصية

تحليلات – معلومات – معرفة – أخبار

مواصفات ضرورية للخطاب الإعلامي الموجّه للغرب

د. كمال محمد المصري

لا شك أن الإعلام يلعب دورا كبيرا في تحقيق الأهداف السياسية والاجتماعية وحتى العسكرية، فتسميته بالسلطة الرابعة لم تأت من فراغ علما بأن هذه المرتبة مرشحة للارتفاع …

من جهة أخرى، لا يخفى على أحد الدور الذي يلعبه الغرب في إدارة الصراعات في جميع أنحاء العالم أو، على الأقل، التأثير فيها وذلك لضخامة قوته الاقتصادية والسياسية والعسكرية، ولعِظم مصالحه المتشعّبة في جميع دول العالم. حري بالذكر أيضا أن الغرب شعوبا وقادة يقرؤون، وأن ما يقرؤونه يؤثر بشكل كبير على قراراتهم، ومن المفيد أيضا أن نشير إلى أن لكل شعب طبيعة مختلفة عن غيره من حيث الفكر وفلسفة الحياة والنظرة إلى الآخرين … لذلك كله، فمن الضروري أن يتم التفكّر في طبيعة الخطاب الإعلامي الموجه للغرب بحيث يكون قويا، واضحا، ويأخذ بعين الاعتبار  طبيعة المكوّن الغربي.

لست هنا بصدد تفصيل كل شيء عن الخطاب الإعلامي وأهميته ومكوناته، ولا داعي للإشارة لضخامة الجهود التي تبذلها إسرائيل وحلفاؤها في هذا المجال … ولكني سأحاول أن أضع بعض الخطوط العريضة التي أنصح العاملين في مجال الإعلام بأخذها بعين الاعتبار لدى التعامل مع الغرب.

سأحاول بداية أن أفرق بين أمرين : صانع القرار  والمواطن العادي أيا كان مستواه العلمي. فصانع القرار  على المستويات العليا يعمل بشكل رسمي منهجي ولكنه مؤدلج، لذلك فإن التعامل معه يحتاج إلى قرائن وأرقام يمكن ترجمتها إلى مصالح وتهديدات. ولن أخوض في هذا المجال لأنه يحتاج بحثا مفصّلا.

وأما المواطن الغربي، فهو كائن بسيط، قلق متوتر ومتردد، ويستقي جزءا كبيرا من معلوماته من المواد الإعلامية سهلة الهضم مثل النشرات التلفزيونية وبرامج “التحقيق الصحفي” والتقارير السطحية خصوصا وأن هذه المواد تتناغم مع ضميره ووعيه الذي تم بناؤه مسبقا من خلال وسائل شبيهة بشكل تراكمي أو من خلال مواد فكرية طويلة المدى مثل الروايات والكتب. وفي حين أن المواطن العربي ينوع مصادر معرفته ما بين الإعلام والمسجد والعمل والأصحاب، … فإن قنوات الاتصال الشخصية ضعيفة لدى الغربيين (مع التفاوت الموجود بين دول الغرب)، فالغربي لا يسمع كثيرا من جيرانه أو زملائه في العمل بقدر ما يسمع من التلفاز والإنترنت والصحيفة و الكتاب. المشكلة الأكبر تكمن في أنه تم تهيئة هذا المواطن منذ زمن لتلقي رسالة إعلامية معينة، …

برغم ذلك كله، فإن المواطن الغربي يتميز بالمنهجية والقابلية للاستجابة إذا ما خوطب بالشكل المناسب وهو لا يحمل أي عداء مسبق لشعب أو ثقافة بعينها. لذلك فإن إمكانية التأثير في المواطن الغربي واردة، ولكن الأمر يحتاج إلى إستراتيجية واضحة ومحددة في هذا المجال. وإذا أردنا التركيز على القضية الفلسطينية، فإن أي إستراتيجية إعلامية موجهة للغرب يجب في نظري أن تؤخذ بعين الاعتبار المقومات والمحددات التالية :

1.      الاطلاع الكافي على المشهد الفكري والثقافي الغربي خصوصا فيما يتعلق بتاريخ اليهود وإسرائيل

للأسف الشديد، أعتقد أن القائمين على الإعلام العربي، وخصوصا الفلسطيني، ليسوا على اطلاع كافي بما يُكتب ويعرض في الغرب عن الصراع العربي الإسرائيلي. فهناك المئات وربما الآلاف من الكتب حول هذا الموضوع مثل “صناعة الهولوكوست” لفنكيلشتاين، “الأساطير المؤسسة لدولة إسرائيل” لروجيه غارودي، “هل يسمح لنا بانتقاد إسرائيل” لباسكال بونيفاس، “مكان تحت الشمس” لنتنياهو، “جيش من الورود” لباربرا فيكتور، “الغضب والكبرياء” لأوريانا فلاتشي، …. يضاف إلى ذلك بطبيعة الحال آلاف الأعمال السينمائية والمسرحية التي تدعم في غالبيتها رؤية إسرائيل في الصراع، وكذلك المقالات والبرامج التلفزيونية اليومية التي تساهم بشكل مباشر في صنع الوعي الغربي حول القضية الفلسطينية. الإلمام بهذه الأمور يعتبر الشرط اللازم قبل أي خطوة إذا أردنا أن نتمكن من تحليل المشهد الفكري والرأي العام الغربي تمهيدا للتأثير فيه.

2.      الاستشهاد بالمفردات السياسية والتاريخية التي يعرفها الغرب جيدا

لكي يكون خطابنا مقنعا ومؤثرا لابد من استخدام المفردات المناسبة والاستشهاد بوقائع تاريخية ملموسة يعرفها الغربيون جيدا فمثلا مصطلحات مثل محاكم التفتيش، “فارسوفي” (Varsovie)، “بيرل هاربور” (Pearl Harbor)، “فالديف” (Val d’Hive) أو “فيشي” (Vichy) تعني الكثير بالنسبة للأوروبيين دون أن نحتاج لشرحها !

لمعرفة ذلك كله يجب أن يكون المعنيون على معرفة جيدة بالتاريخ الغربي وعلى اطلاع دائم على تطورات المشهد السياسي والفكري لديهم.

3.      معرفة الخطاب الإعلامي الذي تقوده إسرائيل بمساعدة حلفائها في الغرب.

يجب أيضا أن نكون على اطلاع على طبيعة الخطاب الإعلامي الذي تمارسه القوى المؤيدة لإسرائيل في الغرب. هذا الخطاب متغير فهو ركز في البداية على مظلوميّة اليهود التاريخية في العالم وحقهم في وطن، ثم ركز على كونهم ضحية للعنصرية الغربية، ثم أصبحت إسرائيل تقدَّم على أنها رأس حربة الغرب في مواجهة بيئة عربية متخلفة وغير ديمقراطية، بعد ذلك اعتبرت إسرائيل شريكا علميّا واقتصاديّا قويّا، ثم هي الآن تعتبر درع الغرب ضد التطرف الديني … لن أفصّل هذه الأمور لأن الحديث فيها يطول ولكنني أردت أن أؤكد على ضرورة معرفتها بدقة حتى يكون ردّنا الإعلامي مناسبا وفعّالا.

4.      الاعتماد على حقائق ملموسة

الغرب سواء كانوا أفرادا أو مؤسسات يفضلون أو “يقتنعون” أكثر بالأرقام والمستندات مثل الإحصائيات، الخرائط، الاستبيانات، وهكذا. ويفضل دائما أن تأتي هذه الحقائق من جهات “محايدة” مثل مراكز البحث، المنظمات الدولية، وغيرها.

5.      الاحترافية، التركيز على أصحاب التخصصات

يفضل عند الحديث عن مشكلة معينة نريد إيصالها للغرب ترك المجال للمختصين المعنيين مباشرة مثلا أن يتحدث أحد المدرسين عن المشاكل التي تواجهها الدراسة، أو أحد الأطباء عن مشاكل المستشفيات، أحد المزارعين عن اعتداءات الاحتلال، وهكذا.

6.      البعد عن نظرية المؤامرة

الغرب يعتبر أنه وصل إلى هذا المستوى من الرقي والرفاهة وحقق الكثير من التقدم بفضل جهوده وكفاحه فضلا عن العديد من التضحيات التي قدمها، لذلك فالغربيون يعتبرون أن أي حديث عن مؤامرات عالمية كبرى هو بمثابة افتراءات كيدية مهينة تعبّر عن فشل صاحبها، وتهدف إلى التشكيك في نجاح النموذج الغربي والتقليل من شأنه.

7.      ربط الخطاب الإعلامي بمشاكل الغرب الملموسة والحالية

بشكل عام، لكي تصل الرسالة الإعلامية إلى الشعوب الغربية، يجب ربط الخطاب الإعلامي بمشاكل الغرب الملموسة والحالية مثل الأمن، المرض، البطالة، الحقوق الاجتماعية، البيئة،….

هذه برأيي بعض أهم المقومات التي يجب أن يأخذها خطابنا الإعلامي بعين الاعتبار. بطبيعة الحال لست هنا بصدد التأكيد بأنه يمكننا أن نمتلك مقومات قوة الخطاب الإعلامي المساند لإسرائيل والذي يمارس غالبا الميكافيلية الإعلامية، ولكنني أردت أن أؤكد أن الشعوب الغربية ليست بالضرورة معادية للقضايا العربية والإسلامية بقدر ما هي ضحيّة لعملية تهيئة فكرية تصب في هذا الاتجاه. فإذا ما تم اعتماد إستراتيجية إعلامية خاصة بالغرب تقوم على أسس موضوعية مدروسة، يمكننا الدفاع عن قضايانا بشكل فعال لدى المواطن الغربي.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

Information

This entry was posted on نوفمبر 18, 2013 by in Politics.

الابحار

%d مدونون معجبون بهذه: