د. كمال محمد المصري المدونة الشخصية

تحليلات – معلومات – معرفة – أخبار

قراءات في زيارات الرئيس الفرنسي للمنطقة

د. كمال محمد المصري

“أنا صديق إسرائيل وسأبقى دائما كذلك”، بهذه العبارة، وباللغة العبرية، استهل الرئيس الفرنسي واحدة من أكبر وأهم زياراته الخارجية، ثلاثة أيام يقضيها في الشرق الأوسط. وأما شيمعون بيريس الذي كان في استقباله برفقة نتنياهو فقال “أولاند صديق، إسرائيل، ليس لي أدنى شك في ذلك، وهذه الصداقة هي تقليد راسخ يجري في عروق الحزب الاشتراكي”، ثم شبّه الرئيس الفرنسي بالسياسي الفرنسي اليساري الشهير “ليون بلوم” (Leon Blum) وأيضا بالسياسي “غي موليه” (Guy Mollet) والذي يعتبر رمزا للمقاومة الفرنسية، وكلاهما معروف بولائه لإسرائيل وبدوره في دعم إسرائيل الشابة في أوقات عصيبة مرت عليها.

French President Francois Hollande welcomes Israel's Prime Minister Benjamin Netanyahu at the Elysee Palace before attending a solidarity march in the streets of Paris

وأما لقاء الرئيس الفرنسي مع رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس فقد كان مقتضبا وبدون روح، وكأنه جاء لرد العتب أو لتوصيل رسالة محددة ثم العودة لاستكمال رحلته في القدس المحتلة ليتحدث أمام الكنيست بعد أن كان ينوي إلقاء خطابه أمام جامعة “كبرى” بدل من الكنيست. وكل ما ذكره عن الفلسطينيين هو أنه “يشجع الطرفين على بذل الجهود اللازمة لإحياء عملية السلام”، ومن المتوقع أيضا أن يزيّن خطابه بالحث على وقف الاستيطان وبالتعبير عن “إيمانه” بحل الدولتين وذلك لإرضاء الجمهور الفرنسي، ولكن دون أي ضغط على إسرائيل.

الصحافة الفرنسية حاولت أن تضع هذه الزيارة في سياق اقتصادي، حيث أكدت أن وفدا كبيرا من رجال الأعمال حضر مع أولاند وعلى رأسهم  مدراء شركات كبرى عديدة مثل “ألستوم” للصناعات الهندسية الثقيلة، “أريان سباس” للصناعات الفضائية، “بوييغ تليكوم” و”أورانج” وهي شركات اتصالات، “أس.ن.سي.ف” وهي شركة القطارات، وغيرهم. وتذكّر الصحف الفرنسية بأن “إسرائيل” تحقق نموا اقتصاديا بمعدل 3.5% وتمتلك مخزونا ضخما” من الغاز الطبيعي …

في رأيي، فإن الزيارة تحمل بالتأكيد طابعا اقتصاديا ولكنها تأتي أيضا في إطار الأحداث في المنطقة. فصحيح أن الوضع الاقتصادي في فرنسا يعاني بشكل كبير، وشعبية أولاند تتهاوى بقوة خصوصا وأنه اُنتخب لحل مشاكل فرنسا الاقتصادية والاجتماعية (أولويات الحزب الاشتراكي)، ولكن لابدّ للأزمات التي تمر بها المنطقة (سوريا، إيران، مصر، فلسطين) أن تكون على رأس المباحثات التي ستجري خلال أيام الزيارة الثلاثة.

لذلك يمكننا أن نلخص أهداف زيارة الرئيس الفرنسي في النقاط التالية  :

  • الإسرائيليون يبحثون عن دعم موقفهم تجاه الملف النووي الإيراني وخصوصا في ضوء احتمال توقيع اتفاقية بين مجموعة الخمسة + واحد وإيران تعتبرها إسرائيل دون مستوى طموحاتها. والمعروف أن موقف فرنسا متشدد جدا في هذا الموضوع، وفي هذا الصدد أكد أولاند على عدم تنازل فرنسا عن “منع الانتشار النووي”.
  • وقد يكون من بين أهداف زيارة أولاند محاولة الضغط على الفلسطينيين من أجل استمرار المفاوضات لإعطاء إسرائيل فرصة أكبر للمناورة.
  • أما الرئيس الفرنسي، فهو يسعى من وراء هذا الزيارة إلى تحقيق مكاسب سياسية داخلية للحزب الاشتراكي في وقت هبطت فيه شعبيته إلى أدنى مستوياتها. فمن ناحية، هو يريد إظهار نفسه على أنه صديق لإسرائيل حيث أنه ليس من الشخصيات اليسارية المعروفة بولائها التام لإسرائيل مثل باقي أقطاب الحزب الاشتراكي الفرنسي. ومن ناحية أخرى، يريد الرئيس الفرنسي الاستفادة من قدرة إسرائيل وأصدقائها الماليّة. وفي هذا الصدد سيطلب من إسرائيل تسهيل استثمارات الشركات الفرنسية في إسرائيل، وعقد الصفقات مع الشركات الفرنسية أملا في تحسين الاقتصاد الفرنسي الذي يعاني من الركود حيث بلغ معدل النمو أقل من 1% سنويا، وبلغ معدل البطالة أكثر من 10%. يجدر الذكر أن حجم التبادل التجاري بين فرنسا وإسرائيل يتجاوز بالكاد الثلاث مليارات دولار وذلك أقل بكثير  من حجم التبادل مع ألمانيا (3 أضعاف) أو إيطاليا.
  • وفيما يتعلق بالأزمة المصرية، فإن الطرفين سيسعيان إلى الاتفاق على رؤية مشتركة خلال هذه الزيارة حيث من المفترض أن يكون هناك تناقض بين مصالح الطرفين ففي حين تؤيد إسرائيل الانقلاب العسكري في مصر بقوة، تتردد فرنسا كثيرا في ذلك لأسباب سياسية وأخلاقية.
  • نفس الشيء ينطبق على الأزمة السورية حيث أن فرنسا تلعب دورا مهما فيها.

في نظر المواطن الفرنسي، تعتبر فرنسا “حليفا للعرب”، لذلك فإن فرنسا تتعامل مع ملف الشرق الأوسط بحساسية وهي تخشى على علاقتها مع العرب خصوصا وأنها تسعى لتحقيق شراكات اقتصادية مهمة مع بعض الدول العربية. لذا فإنه وبرغم العلاقة الحميمة التي تربط الحزب الاشتراكي الفرنسي بإسرائيل، إلا أن التصريحات السياسية الفرنسية، في ظاهرها على الأقل، ستظل متحفظة تجاه إسرائيل. لذا فإن من المبكر الحكم على زيارة الرئيس الفرنسي، ولننتظر حتى نرى ما ستسفر عنه.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

Information

This entry was posted on نوفمبر 18, 2013 by in Politics.

الابحار

%d مدونون معجبون بهذه: