د. كمال محمد المصري المدونة الشخصية

تحليلات – معلومات – معرفة – أخبار

العلاقة بين المريض والطبيب، حسن التعامل قبل كل شيء !

د. كمال المصري

يعتبر مستوى العناية الصحية التي يحصل عليها المواطن مؤشرا مهما على مدى تقدم الأمم ورقيّها، وهو يعبّر أيضا عن مدى عدالة المجتمعات وسموّ أخلاقها. ولعل أول ما يهم المواطن فيما يتعلق بالعناية الصحية، المعاملة التي يتلقاها من قبل الطاقم الطبي. بدون مجاملات خائبة، وبدون تعميم ظالم، لا يخفى على أحد الوضع المأساوي الذي تعانيه علاقة المريض بالطبيب في مجتمعاتنا وخصوصا في المستشفيات الحكومية، فقد وصل الوضع من السوء أن يفضل المرءُ أحيانا مكابدة المرض على أن يقع تحت رحمة بعض الممارسين لأكثر المهن نبلاً على الإطلاق !

من منا لم يسأله الطبيب عما يشتكي بصوت عالٍ أمام مرضى آخرين، أو أمام زملائه الذين يشربون القهوة ويدخنون السجائر، من منا لم يكشف عليه الطبيب على “الكاونتر” مع أن غرف الكشف فارغة، هذا إذا … تنازل الطبيب وقبل بالكشف ولم يصِف للمريض علاجاً نموذجيا يتطابق ولو بالصدفة مع أحد الأعراض التي يعاني منها … من منا لم ينهره الطبيب لمجرد سؤاله عن اسم العلاج الذي حُقن به أو لأنه أراد أن يبلغ الطبيب بأنه يعاني من سابقة طبية قد يكون لها علاقة بالشكوى، أو من حساسية معينة … من منا لم تزجره الممرضة لمجرد تذكيرها بأن موعد الدواء قد فات أو مطالبتها بإحكام إغلاق السّتارة التي تغطي بصعوبة لحم مريض أو مريضة لنا …

لن أطيل، فالظاهرة منتشرة، والمعاناة شاسعة … صحيح أن ظروف عمل الأطباء تكون أحيانا صعبة جدا، صحيح أن بعض المرضى لا يمتلكون أدنى حد من اللباقة أو النظام،صحيح أن عدد الحالات المطلوب معالجتها أكثر مما هو متعارف عليه عالميا، صحيح أن رواتب الأطباء قد لا ترقى إلى ما تستحقه مهنتهم،ولكن كونك تضطر أحيانا “لِخلع” بعض الأطباء من أمام التلفاز بينما تنظره الحالات في مكتب الكشف، وكونك تبقى واقفا أمام الطبيب دون أن يكون لك مكان للجلوس، وكون استفسارك عن اسم الدواء يستفز الطبيب … فهذا كله يشير إلى أن هناك مشكلة في أخلاقيات المهنة لدى البعض ويجب أن تعالج بأسرع وقت ممكن.

صحيح أيضا أن مجتمعنا يتميز ببعض الفظاظة “الجلافة” التي تتجلى في جميع المجالات مقارنة مع غيره من الشعوب الأخرى، ولست هنا بصدد انتقاد هذه الصفة لأن لها أسبابا قد تكون موضوعيا أحيانا، ولكن ألا يجب أن تكون مهنة الطب استثناءً يحِدّ من هذه الظاهرة خصوصا وأن الأغلبية الساحقة من الأطباء درست في دول أجنبية يُعامل فيها الإنسان بطريقة مختلفة تماما ؟

التعامل السليم مع المرضى من المواطنين مهم جدا من عدة نواحي اقتصادية واجتماعية وثقافية وحتى سياسية، فضلا عن دوره في ضمان نجاعة العملية الطبية. وبدون أن أدخل في تفاصيل طبية لا أتقنها، فإنني أستطيع أن أؤكّدَ أن أولّ خطوة على صعيد العلاج هي توطيد الثقة بين المريض ومعالجِهِ، لكي يسهل بعد ذلك تشخيص مشكلة المريض وإقناعه بالعلاج !

ولعل المواثيق الدولية والأوروبية الخاصة بالأخلاقيات الطبية تتحدث جميعها عن هذه المسألة خصوصا فيما يتعلق باحترام كرامة المريض والحفاظ على أسراره الطبية، وأود هنا أن أستشهد بالفقرة الخاصة بواجبات الطبيب تجاه المريض في “الميثاق الإسلامي للأخلاقيات الطبية” الذي أعده د. علي محيي الدين القرة داغي، الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين والتي نصّت على أن على الطبيب “أن يُحْسن الاستماع لشكوى المريض ويتفهَّم معاناته وأن يُحسن معاملته ويرفق به أثناء الفحص. ولا يجوز له أن يتعالى على المريض أو ينظر إليه نظرة دونيَّة أو يستهزئ به أو يسخر منه، مهما كان مستواه العلمي والاجتماعي. …”، وهناك بنود أخرى تتعلق بالسرية الطبية، والمساواة بين المرضى في السلم والحرب، …

عندما يأتي المريض للعلاج فهو في يكون في حالة من الضعف والهشاشة والحرج تجعله حساسا جدا، وتستدعي معاملته بأخلاق متناهية … برأيي، وبرغم الطفرة الكبيرة التي حصلت في مجال الخدمات الطبية في قطاع غزة خلال السنوات الأخيرة، إلا أنه مطلوب من المسئولين أن يضاعفوا جهودهم في هذا المجال حتى لا يشعر المواطن باليأس والإذلال عندما يتوجه لتلقي العلاج، وحتى   لا تقتصر المعاملة الجيدة للمريض على من له “علاقات قوية” داخل المؤسسة الطبية !

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

Information

This entry was posted on أكتوبر 23, 2013 by in Uncategorized.

الابحار

%d مدونون معجبون بهذه: