د. كمال محمد المصري المدونة الشخصية

تحليلات – معلومات – معرفة – أخبار

إعداد الإستراتيجيات : لماذا وكيف ؟

د. كمال محمد المصري

مقدمة

يتداول الجميع مصطلح الإستراتيجية والتخطيط الاستراتيجي تقريبا في كل مجالات الحياة. معظم الكتب والمقالات تتناول موضوع التخطيط الاستراتيجي في إطار القطاع الخاص والمنظمات الربحية ولكن مع تنامي الرغبة في إدارة “كل شيء” بمنطق ربحي، على الأقل من أجل ضمان الأداء، ومع تطور مفاهيم حديثة في الإدارة مثل الشفافية والحوكمة وما شابه، فإن مبدأ التخطيط الاستراتيجي أصبح يهم المؤسسات غير الربحية بما في ذلك مؤسسات القطاع العام.

word cloud - strategic planning

حتى لا نبالغ كثيرا، فإن أي مؤسسة يمكن أن تعمل وتستمر و”تنجح” في عملها دون أي تخطيط استراتيجي “رسمي”، ولكن بعض الدراسات تشير إلى أن المؤسسات التي تتبع خططا إستراتيجية محكمة تحقق في المتوسط أداءً أفضل بحوالي 30% من المؤسسات التي لا تخطط ! صحيح أن النسبة تبدو بسيطة، ولكنها تكون في بعض الأحيان حاسمة وتميز مؤسسات عن أخرى وتعطيها ميزة تنافسية يصعب تجاوزها. على أي حال، حتى المؤسسات أو المنظمات التي لا تخطط “بشكل رسمي” فهي تفكر حتما بشكل استراتيجي وإلا فهي تعمل بشكل عشوائي يضع إستمراريتها ونجاحها في مهب الرياح !

مصطلح الإستراتيجية

بحسب معجم أكسفورد فهي لعبة الحرب أو طريقة تحريك السفن والجنود في مواقع … لا عجب فكلمة “إستراتيجية” مشتقة من كلمتين لاتينيتين معناهما قيادة الجيش !

يمكن النظر إلى الإستراتيجية من عدة زوايا[1]، منها أنه يمكن النظر إليها باعتبارها نموذجا أو منظورا عاما، ويمكن أيضا أن يتم اعتبارها كفلسفة للسلوك العالمي، كذلك يمكن النظر إلى الإستراتيجية على أنها “إدارة للملاحظات والمدركات الحسية”، أو اعتبارها عملية ربط أو اقتران (Association) للغايات بالوسائل، ومن الممكن أيضا التعامل معها كخريطة للمستقبل، وبدون الدخول في التفاصيل النظرية، واضح أن مفهوم الإستراتيجية واسع ومعقد من الناحية النظرية لذلك فهو يحتمل قدرا كبيرا من المرونة في الفهم والتطبيق وهذا ما يفسر عدم وضوح المبدأ بالنسبة للكثير من المتعاملين معه.

فنحن نلاحظ أن مصطلح الإستراتيجية يستعمل بكثرة في مجال الاقتصاد والإدارة وخصوصا لدى شركات القطاع الخاص، وهو يختلف أيضا حسب التخصص، والبعض يستخدم مصطلح الإستراتيجية كمرادف للمكر والخديعة في سبيل تحقيق الأهداف أيا كان الثمن …

بعيدا عن ميدان الحرب والقتال، وبعيدا عن التنظير المعقد، يمكن القول بأن الإستراتيجية هي فن التنسيق بين الموارد المتاحة لتحقيق الأهداف الأساسية للمؤسسة أو المنظمة (Organization) ضمن رؤية واضحة على المدى الطويل، المنظمة هنا قد تكون شركة، مدينة، دولة، قارة، اتحاد، … بالنسبة لنا فالإستراتيجية هي عبارة عن التوجه العام الذي يحدد سلوك المؤسسة خلال فترة مستقبلية معينة بناء على رؤية واضحة نابعة من فهم عميق لواقع المؤسسة وطموحاتها. و الإستراتيجية بذلك تختلف عن “التكتيك” وهو شيء روتيني إجرائي، لأنه عملية ترتيبية تتم على المدى القصير.

أيضا، يجب التفريق بين الإستراتيجية كرؤية عامة شاملة، وبين الإستراتيجية الجزئية كمجموعة من الحلول على مستويات أقل.

الفرق بين الإستراتيجية والخطة الإستراتيجية

صحيح أن هناك الكثير من الخلط بين مصطلح الإستراتيجية (Strategy) والخطة الإستراتيجية (Strategic Plan)، حتى على مستوى الدول والمؤسسات الكبرى، ولعل ذلك يعود للمرونة المسموح بها في هذا المجال، ولكن بالإمكان التفريق بينهما بأن الإستراتيجية تجيب على السؤال “ماذا نريد ؟” لذلك يمكن أن يتم التوافق على إستراتيجية من قبل أكثر من جهة معنية (Stakeholders)، بينما الخطة تجيب أساسا على السؤال “كيف سنحقق ذلك ؟” وان تضمنت عناصر إستراتيجية، ولذلك يجب أن يضع الخطةَ الجهةُ المسئولةُ عن التنفيذ.

نستنتج من ذلك أن الدول والمنظمات والاتحادات الكبرى تضع استراتيجيات بينما تضع الوحدات الأقل خططا إستراتيجية مدعومة بأهداف قابلة للتحقيق من خلال سياسات ومبادرات وبرامج محددة.

الفرق بين السياسة والإستراتيجية

الفرق بين السياسة والإستراتيجية ليس واضحا دائما، ولكن يمكن أن نقول بأن السياسة تركز على الداخل وتهتم أكثر بفعالية وكفاءة العمليات، أما الإستراتيجية فهي تهتم بالخارج وتركز على ضرورة التأقلم مع البيئة المتغيرة. ويمكن بهذا الصدد أن نفرق بين ثلاث مستويات :

  • ·        الإستراتيجية بالمعنى الشامل والذي نقصده في هذا المقال (رؤية شاملة، توجيه، خارطة طريق) هي عبارة عن دليل عام يوجه السياسات ويعتمد على تحليل الوضع الراهن ورؤية المؤسسة لما تريد أن تكون عليه خلال فترة معينة.
  • ·        السياسة (Policy) هي عبارة عن خريطة تفكير وعمل بالنسبة لصناع القرارات فهي توضح ما يجب فعله وما لا يجب فعله، وتكون السياسة غالبا ذات ارتباطات داخلية، وهي تأتي في مرتبة أدنى من الإستراتيجية.
  • ·        الإستراتيجية بالمعنى الجزئي (بمعنى مجموعة الحلول) هي عبارة عن توزيع الموارد البشرية والمادية لتحقيق الأهداف المنشودة في ظل البيئة المحيطة بالمؤسسة، وهنا تكون في مستوى أدنى من السياسة.

أهمية الإستراتيجية

دون أن ندخل في تفاصيل التخطيط الإستراتيجي والتي ليست هي موضوعنا، ومن خلال التعريف الذي ذكرناه سابقا، فإن الإستراتيجية تعتبر بمثابة ”دليل“ يساعدنا في تحقيق رسالتنا بأكبر فعالية ممكنة.

  • ·        فقبل كل شيء هي تجبر صناع القرار على التحليل والتفكير بشكل معمق قبل اتخاذ أي قرار،
  • ·        وهي تمكن المنظمات من توحيد الرؤية وتنسيق جهود مختلف مكوناتها على مختلف المستويات التنظيمية،
  • ·        وتساعد في إقناع المسئولين بتوفير الموارد المطلوبة،
  • ·        تضمن التأكد من الاستغلال الأمثل للموارد من خلال تحديد الأولويات.
  • ·        يمكن أن توفر آلية مضبوطة لمعرفة ما يا يجب فعله وتحدد نقطة البداية مما يسمح بتقييم التقدم الحاصل.

هناك العديد من الفوائد التفصيلية الأخرى، ولكن هناك أيضا بعض المحاذير التي يجب أن نتفاداها عند إعداد الاستراتيجيات أهمها إمكانية تبني الافتراضات الخاطئة والتوقعات المتفائلة جداً وغير الواقعية أو المتشائمة. وهناك أيضا مشكلة تحول الإستراتيجية إلى وثيقة شكلية لا يلتفت إليها المسئول من أساسه !

إعداد الإستراتيجية

لكي يتم الاستفادة من الإستراتيجية يجب أن يتم إعدادها من خلال فريق يمثل بقدر الإمكان كافة الجهات المعنية وخصوصا تلك التي ستقوم بالتنفيذ. وبعد اعتماد الفريق الرسمي والتأكد من امتلاكه للخبرات المختلفة في مجال التخطيط وفي المجالات التخصصية الأخرى، يجب أن يتم تدوين جميع تفاصيل عملية الإعداد، وصياغة وثيقة رسمية بالإستراتيجية تحتوي على أهم مكوناتها بالإضافة إلى ملخص تنفيذي. ويحبذ أن يتم تقسيم الإستراتيجية إلى عدة محاور تغطي اهتمامات المؤسسة المختلفة. فيما يلي سنقوم بعرض ملخص بسيط لأهم المكونات المطلوب توافرها في الإستراتيجية والتي تمثل أهم خطوات إعدادها :

مكونات الإستراتيجية

  • ·        الرؤية (Vision) : رؤية المؤسسة أو الجهات التي شاركت في الإستراتيجية وهي تجيب على السؤال التالي : ما هو الوضع الذي نريد أن نكون عليه خلال فترة معينة (3-5 سنوات أو أكثر)؟
  • ·        القيم (Values) : ما هي أهم القيم التي نعتمد عليها في تقديم رسالتنا ؟
  • ·        الرسالة (Mission) : تبين دور ورسالة المؤسسة، يجب أن تكون هذه الجملة مختصرة جدا، توضح مجال عمل المؤسسة الجغرافي والتخصصي، وكيفية تحقيق أهدافها وأهم القيم التي تحركها.
  • ·        وصف للوضع الحالي بما فيه من جوانب سلبية أو إيجابية، ومن المفيد في هذا الإطار ذكر أفضل الممارسات الموجودة في مجال عمل المؤسسة.
  • ·        تحليل الوضع الراهن : تحليل للبيئة المحيطة بالمؤسسة للتعرف على عوامل القوة والضعف الحالية والمتوقعة. هناك العديد من الطرق والنماذج التي تستخدم للتحليل الاستراتيجي خصوصا في مجال الأعمال، ولعل التحليل المعروف بـ (SWOT) هو أكثرها استخداما وأسهلها تطبيقا. يشتمل هذا النموذج على أربعة بنود يوزعها البعض على محورين : المحور الداخلي ويتضمن نقاط الضعف ونقاط القوة، والمحور الخارجي، ويتضمن الفرص والتحديات. بطبيعة الحال يتم تحليل هذه المحاور من خلال عمليات عصف ذهني تتم من قبل خبراء بالاستناد على البيانات والدراسات والمعطيات المختلفة المتوفرة لفريق التخطيط بما فيها معرفتهم الشخصية.
  • ·        تحديد الغايات والأهداف الإستراتيجية : بطبيعة الحال يمكن أن نبدأ من الرؤية ثم نضع الغايات والأهداف وهو ما يعرف بالتحليل “من أعلى إلى أسفل” (Top-Down) وهذا النوع يناسب البيئات التي تتمتع بقدر عال من الاستقرار. وأما في حال كون الوضع غير مستقر، فيفضل اللجوء إلى طريقة “من أسفل إلى أعلى” (Bottom-Up) حيث يتم وضع الرؤية بناء على تحليل الوضع الراهن لأنها أكثر واقعية في هذه الحالة. وفي جميع الأحوال فإن تحليل الوضع الراهن يلعب دورا أساسيا في وضع الأهداف فمثلا يمكن أن نضع لكل نقطة قوة هدفا يسعى للتخلص منها، ولكل نقطة ضعف هدفا بالمحافظة عليها، والفرص أيضا يمكن أن تشكل الاستفادة منها هدفا أو أكثر، وهكذا.
  • ·        تحديد الأولويات : بعد التعرف على الوضع الراهن والموارد المتاحة والأهداف المرجوة، يجب تحديد الأولويات الإستراتيجية للفترة المعنية ليتم التركيز عليها.
  • ·        السياسات والبرامج  : يمكن أن تتضمن وثيقة الإستراتيجية بعض السياسات التي يمكن إتباعها في سبيل تحقيق أهداف الإستراتيجية وقد تكون مقرونة ببرامج محددة.
  • ·        التوصيات : يمكن أن تتضمن وثيقة الإستراتيجية بعض التوصيات الخاصة بالجهات المعنية بنجاح الإستراتيجية.

الخلاصة

التفكير الاستراتيجي مهم جدا في حياة المؤسسات لضمان استدامتها وتطورها على المدى البعيد. ليس هناك اتفاق على مصطلح الإستراتيجية، وهناك الكثير من اللغط حول العديد من المصطلحات ذات العلاقة مثل الإدارة الإستراتيجية، التخطيط الاستراتيجي، … ليس المهم الشكل أو النموذج، المهم أن يتم وضع تصور أو رؤية عامة للمؤسسة ينبثق عنها خطط قابلة للتنفيذ والتقييم فيما بعد.

يمكن النظر إلى الإستراتيجية على أنها خارطة طريق أو خارطة مستقبل تتفق الأطراف المعنية عليها منذ البداية وتحتوي على عدد من المكونات الرئيسية، ولكي يُكتب لهذه الإستراتيجية النجاح يجب أن يشارك فيها أكبر قدر ممكن من المعنيين وأن يتم ويتم توثيقها واعتمادها، وكذلك توعية جميع الأطراف المشاركة، المنفذة والمستفيدة حول محتوى وأهداف هذه الإستراتيجية، وبذلك تكون فعلا خارطة نجاح يشارك الجميع فيها.


[1] Gregory D. Forest, “A Conceptual Foundation for a Theory of Strategy”, The Washington Quarterly, Volume 13, Issue 1, 1990.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

Information

This entry was posted on أكتوبر 23, 2013 by in Economics،Politics،Technology.

الابحار

%d مدونون معجبون بهذه: