د. كمال محمد المصري المدونة الشخصية

تحليلات – معلومات – معرفة – أخبار

شراء المنتج الإسرائيلي جريمة مزدوجة !

بقلم /د. كمال المصري

15/09/2012

عندما يأتي زائر إلى فلسطين ويرى حجم انتشار البضائع الإسرائيلية في أسواقها، يشعر بالصدمة، وعندما يرى كم يتحمس التجار لبيعك سلعة إسرائيلية بدل التركية أو المحلية تشعر بأن شخصا ما يطعنك في ظهرك. الكثير يعتقد أن شراء المنتجات الإسرائيلية  أمر عاديّ وأن المناداة بمقاطعتها لا يعدو كونه ترفا سياسيا أو فكريا ! إن الأمر أكبر من ذلك بكثير، إن مقاطعة السلع الإسرائيلية ضرورة وطنية اقتصادية ودينية لأن التعامل التجاري مع إسرائيل في حال وجود البديل هو جريمة مزدوجة.

هناك مقولة مشهورة : المهزوم يعجب بثقافة المنتصر … هكذا كان الحال في الهند بالنسبة لبريطانيا، وفي أقريقيا ودول المغرب العربي بالنسبة لفرنسا، والآن في فلسطين بالنسبة لإسرائيل، مع اختلاف بسيط … أن فلسطين لا تزال تحت الإحتلال.

ob_3cbbd6_boycott-israel-by-vdq-d2zzema-png

في حين تقوم دول أوروبية بحملات مقاطعة ضد المنتجات الصهيونية في بلاد لا يهمها إلا الاستهلاك، نجد أبناء فلسطين المحتلة الذين يعانون من وطأة الاحتلال في كل شيء وفي كل زمان يستهلكون البضائع الاسرائيلية بلا حياء بل وعلى العكس من ذلك، بفخر شديد أحيانا، ليس فقط البسطاء والعوام بل أيضا صفوة القوم والذين يفترض أن يرشدوا العامة إلى ما فيه مصلحتهم …

مقاطعة البضائع الإسرائيلية ليست قضية ترف فكري ولا جدل سياسي، الأمر أخطر من ذلك بكثير، لذا كان حلفاء إسرائيل في الغرب يتحركون بقوة عندما كنا نقوم بحملات مقاطعة للبضائع الإسرائيلية في أوروبا، فقد كانت ردة فعل الطبقة السياسية الأوروبية الموالية لإسرائيل سريعة وقوية ضد من يدعو لمثل هذه الحملات. إن اليهود يعرفون أكثر من غيرهم ماذا تعني المقاطعة الاقتصادية، فقد كانت الخطوة الأولى في أوروبا للحملة المعادية لليهود وهي عمل سياسي مهم، فكيف  تعتبر جهة ما عدوة لك وفي نفس الوقت تستهلك سلعها وتشتري منتجاتها وتدعم اقتصادها ؟

إن لشراء السلع الإسرائيلية آثارا سلبية كثيرة ولعل أهمها يتجلى في نقطتين.  الأولى اقتصادية، فبشرائك المنتج الإسرائيلي أنت تدعم اقتصاد عدوك وتمكنه من الاستقواء عليك خصوصا أن المال هو عصب الحرب ومصدر القوة الرئيسي اليوم. فالدول الراقية تتعامل بموازنات عسكرية وكلما زادت قوتها الاقتصادية، كلما زادت قدرتها على التسلح والتجنيد واتخاذ القرارات الأمنية والاقتصادية ويجب ألا نستهين بتاتا بحجم التبادل التجاري بين الفلسطينيين وإسرائيل خصوصا أن الأخيرة تبقي دولة صغيرة. ومن ناحية أخرى أنت تحارب المنتج الوطني عند شرائك منتجا إسرائيليا، وذلك بطريقتين : الأولي منعه من التقدم والوصول إلى الجودة المطلوبة؛ والثانية قتل الأسعار وعدم تشجيع المنتج المحلي على الانتاج والتطوير …

النقطة الثانية سياسية، فأنت تطبّع مع عدوك وتعود نفسك على الاعجاب به وهذا نوع خطير من الانحدار الفكري وينم عن ضعف شديد في الانتماء للوطن والدين … فكيف تلوم دعم أمريكا و ألمانيا وفرنسا لإسرائيل وأنت نفسك تفعل ذلك ؟ وكيف تسمح لنفسك بأن تكون تحت رحمة عدوك، تستهلك منتجاته وتعتمد عليها ؟

ستقول لي أن المنتج الإسرائيلي أجود وأن المنتج الفلسطيني سيئ ومغشوش … قد تقول لي أن أصحاب الشركات الفلسطينية يكونون أحيانا أسوأ من إسرائيل في استبدادهم واستغلالهم للمواطن، قد تقول لي أنهم يخرجون أموالهم أحيانا ليستثمروها في الخارج،  قد تقول لي أنهم لا يدفعون الضرائب للحكومة لكي تقوم بواجباتها من حفظ للأمن وتسيير المستشفيات والتعليم والبلديات، قد تقول لي أنهم يبيعونك أحيانا بضائع اسرائيلية مغلفة بشعار فلسطيني، ….. سأقول لك أنت محق إلى حد كبير، فأنا أعرف أن عددا كبيرا من التجار لا يهمه إلا الربح السهل والسريع، ولكن هذا شأنه هو ولن نبني على ذلك تصرفاتنا، فالموضوع أكبر والمبدأ أهم،… ويبقى هذا الأمر نسبيا والمواطن يجب أن يكون ذكيا ويفكر في كل شيء حتى عندما يشتري علبة لبن أو ورق حمّام، فالمطلوب نوع من المقاومة والتحمل علما أن الأمر خطير من الناحية الشرعية وان كنت لا أريد أن أخوض فيها لأنني لست مؤهلا لذلك. على أي حال دعنا نتفق على آلية سهلة وواضحة :

في حال توفر المنتج الفلسطيني الجيد وبالسعر المناسب فهو الأولى بالشراء، أما في حال عدم توفر ذلك فنتجه إلى المنتج العربي والإسلامي الذي يكفل هذه الجودة، المنتج المصري مثلا أو التركي قد يكون في كثير من الحالات أفضل من المنتج الإسرائيلي …

أما في حال عدم توفر هذا ولا ذاك، فبالإمكان الاتجاه نحو المنتجات الأجنبية الأسيوية أو الأوروبية إذا أردت جودة أفضل ، في هذه الحالة تكون قد اخترت أهون الشّرَّين ولم ترتكب الجريمتين …

أما الحالة الوحيدة التي يمكنك فيها أن تشتري البضائع الإسرائيلية هو أن لا تجد أي بديل صالح يغني عنها وهنا تدخل عملية الشراء في نطاق حكم الضرورة … والضرورة تقدر بقدرها والله سبحانه وتعالى أعلم بالنوايا.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

Information

This entry was posted on يونيو 25, 2013 by in Economics،Politics.

الابحار

%d مدونون معجبون بهذه: