د. كمال محمد المصري المدونة الشخصية

تحليلات – معلومات – معرفة – أخبار

عقدة مسعدا أو عقيدة الخوف لدى إسرائيل

هناك عبارة شهيرة عند المفكرين اليهود ويرددها أحيانا الجنود عند تدريبهم : “مسعدا لن تسقط مرة أخرى”.

مسعدا أو “متسعدا” هو اسم مجموعة قلاع حصينة في جنوب شرق فلسطين المحتلة قرب البحر الميت بنيت في منطقة صخرية معزولة من قبل الملك الروماني “هيرود العظيم” ليحتمي بها في حال تعرضه للتمرد. ولكن الملك هيرود لم يحتاج لهذه القلعة أبدا، بل بالعكس عندما تمردت مجموعة من اليهود المتطرفين (Sicarii) ضد الإمبراطورية الرومانية لجئوا لهذه القلعة سنة 66 قبل الميلاد. وبعد أن حاصرتهم فرقة كبيرة من الجيش الروماني فضل هؤلاء اليهود الانتحار جماعيا على أن يسقطوا بيد الرومان … ومنذ ذلك الحين أصبح لهذه القلعة رمزية في الفكر اليهودي تطورت فيما بعد ذلك إلى ما يعرف بعقدة مسعدا (the Masada complex) والتي تعبر عن خوف اليهود من الغير، وشعورهم بالضعف الدائمين وأنهم محاطون بأعداء من كل مكان يريدون تدميرهم.

masada

لو نظرنا إلى السياسات الإسرائيلية اليوم، نجد أن هذا التصرف يبدو واضحا خصوصا في سياسات اليمين الإسرائيلي والتي تعزل إسرائيل يوما بعد يوم عن العالم حتى عن أقرب حلفائها… وبناء على هذه الشعور فإن إسرائيل تحاول أن تنتقد وتشهر بأي شخص يتجرأ على انتقاد سياساتها المتعجرفة. القضية هنا ليست لماذا تنجح إسرائيل في ذلك حتى الآن، فالأسباب كثيرة ؛ ولكن السؤال هو إلى متى سيستمر الغرب في حضانة ورعاية هذه الدولة الاستثنائية والتي تشبه إلى حد كبير “حاملة طائرات غربية ضخمة في المنطقة” كما وصفتها البارونة (عضوة مجلس اللوردات) البريطانية Jenny Tonge (عن الحزب الليبرالي الديمقراطي) قبل فترة بسيطة والتي تم إقالتها على إثر ذلك ؟ المتابع للعلاقات الإسرائيلية-الغربية يلاحظ أنه وبرغم السطوة الرهيبة لأتباع إسرائيل على المجالين الإعلامي والاقتصادي في الغرب، فإن تزايد العداء لإسرائيل من قبل الشعوب الغربية وحتى من قبل المثقفين المدللين الذين تربوا على حب إسرائيل أصبح حتميا. فلا يكاد يمر أسبوع أو شهر إلا ونسمع عن قمع فكري جديد لمفكرين حاولوا أن يكيلوا بنفس المكيال عندما يتعلق الأمر بإسرائيل. فبالأمس وبعد أن شنت عليه حملة شعواء في الإعلام الغربي، قررت إسرائيل اعتبار الشاعر الألماني Günter Grass شخصية غير مرغوب بها فقط لأنه انتقد برنامج إسرائيل النووي في أحد أشعاره وهو اليساري الحاصل على جائزة نوبل للسلام …

إذا تمعننا في ردود الفعل الإسرائيلية المتطرفة وغير المتوازنة على كل من ينتقدها، وعلى ضوء ما ذكرناه عن عقدة “مسعدا” فإنه يمكننا الاستنتاج أن إسرائيل تعاني من خوف وقلق شديدين. نفس التحليل ينطبق على المجال الأمني فعندما نسمع القادة العسكريين في إسرائيل يلوحون (ولو ضمنا) بعمل عسكري حتى داخل الأراضي المصرية، فهذا يعني أن خوفهم قد أفقدهم صوابهم وهم يميلون أكثر إلى الانتحار الجماعي. فكلما سمعنا قادة اليهود يهددون ويصرخون فإن ذلك إنما يدل على خوفهم وشعورهم بالضعف ليس إلا … وما التصريحات النارية لنتياهو وجانتس وباراك إلا محاولة للهروب إلى الأمام في وجه الأخطار القادمة من كل صوب : من إيران، من الربيع العربي، من غزة، وربما حتى من الغرب الذي سيتخلى حتما عن إسرائيل إذا دعت الضرورة لذلك.

الخلاصة أنه لا يغر المرء كبرياء إسرائيل و قوتها العسكرية التي لا يمكن لأحد أن ينكرها. فهذه القوة أنما هي مؤقتة وهشة لأنها تنبع من خوف إسرائيل المستمر من الآخر وهي تحتاج إلى جهد نفسي ومالي كبيرين. وفي النهاية، فإن قوة إسرائيل تبقى نسبية وتعتمد على عنصرين : الأول هو الدعم اللامحدود لها من قبل الغرب المالك لكل أدوات الحرب والذي يرى “حاليا” أنه ملزم بحماية ودعم إسرائيل. وهذا الدعم بلا شك مؤقت وليس مضمونا على المدى الطويل. والثاني هو ضعف العرب والمسلمين في جميع المجالات وأولها ضعف ثقتنا بأنفسنا وضعف ولائنا لحضارتنا وقيمنا. وهذا العنصر أيضا يمكن وصفه بالمؤقت ولقد أثبت التاريخ ذلك مرارا وتكرارا.

د. كمال المصري

http://www.maannews.net/arb/ViewDetails.aspx?ID=484458

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

Information

This entry was posted on يونيو 24, 2013 by in Politics.

الابحار

%d مدونون معجبون بهذه: