د. كمال محمد المصري المدونة الشخصية

تحليلات – معلومات – معرفة – أخبار

لماذا يجب أن نعرف العقلية السياسية الفرنسية جيدا ؟

المراقب للشئون الخارجية الفلسطينية يلاحظ ضعف الاهتمام بالتحركات السياسية الفرنسية مقارنة مع الاهتمام بالتحركات الأمريكية أو البريطانية. قد يفسر ذلك بقربنا من اللغة الإنجليزية كلغة انفتاح على العالم الخارجي حيث أن فلسطين خضعت لفترة ما للانتداب البريطاني فأصبح سكانها بذلك يميلون للثقافة البريطانية “أنجلوساكسون”، وكما يقولون فإن المهزوم يعجب دائما بثقافة المنتصر … وقد يكون السبب أن الاهتمام  بالولايات المتحدة الأمريكية وقدرتها العسكرية والاقتصادية طغى على كل شيء …

أيا كانت الأسباب فإنني أردت في هذه الكلمات القليلة دون الإطالة أن أوضح للقارئ أهمية فهم العقلية السياسية الفرنسية، وأن أجذب انتباه أصحاب القرار من السياسيين والأكاديميين لضرورة دراسة الفكر السياسي الفرنسي والتعرف على ما يجري على الساحة السياسية والفكرية الفرنسية إذا ما أردنا أن نفهم طبيعة التكفير الغربي وتوجهاته بشكل عام.

تعتبر فرنسا قلب  أوروبا، القارة العجوز أو العالم القديم كما يقولون …  فمنها خرجت الثورة الفرنسية التي قلبت مسار أوروبا ونقلتها من عصور الظلام إلى عصر النهضة الصناعية، وبفضل ضباطها نجحت الثورة الأمريكية، وفيها تطورت أفكار ناضجة في الفكر السياسي مثل نظرية العقد الاجتماعي لجان جاك روسو. ولا يخفى عل أحد دور فرنسا الرائد في تطور الفكر السياسي والاجتماعي الحديث، أو أثر مفكريها في المذاهب والاتجاهات الفكرية الشهيرة من فردية ووجودية وعلمانية وديمقراطية، … و غير ذلك حيث لا يكاد يخلو علم اجتماعي من بصمات الفرنسيين. ذلك كله جعل من فرنسا روح الغرب وعقله المفكر في العديد من المجالات العلمية والفكرية.

علاوة على ذلك، فإن فرنسا تمثل خامس أكبر اقتصاد على مستوى العالم بعد الولايات المتحدة الأمريكية والصين واليابان وألمانيا، وذلك برغم أن عدد سكانها لا يزيد عن خمسة وستين مليون نسمة.

بالنسبة لنا كفلسطينيين، فإن التعرف على هذه الدولة مهم جدا حيث أن فرنسا كانت اللاعب الرئيسي في العديد  من أخطر المراحل التي مرت بها فلسطين عبر العصور. فالحملات الصليبية الأولى والثانية والتي استهدفت بيت المقدس وأحدثت ما حدثت من قتل ودمار كانت بتدبير  من الفرنسيين. وبعد هزيمة العرب أمام القوات اليهودية في حرب 1948 بنت فرنسا مفاعل ديمونة النووي لإسرائيل وأعطت إسرائيل بذلك تفوقا استراتيجيا لا زلنا نعاني منه حتى الآن …

أيضا، وبعد أن كان العرب يستعدون لسحق دولة الاحتلال الوليدة، تمكن الإسرائيليون المتسلّحون بطائرات مقاتلة فرنسية من طراز ميراج 3 و “ميستير” من سحق الجيوش العربية في حرب الأيام الستة مما أدى إلى سيطرة اليهود على كامل أراضي فلسطين وبعض الأراضي العربية.

وإذا نظرنا إلى المشهد الفكري والسياسي الفرنسي حاليا فإننا نلاحظ أن فرنسا لا زالت أكبر الدول منافسة للمسلمين في العالم، ففيما يتعلق بحقوق المسلمين في الغرب على سبيل المثال، نجد أن فرنسا تبقى “سباقة” دائمة في التضييق على المسلمين واختلاق الأنظمة والقوانين التي تحد من حريتهم الدينية ليتم تصديرها بعد ذلك إلى باقي الدول الأوروبية الأخرى. وبالرغم من وجود تيار  فكري يساري قوي في فرنسا ينادي بحقوق الفلسطينيين تناغما مع المبادئ السامية التي يعتقد الفرنسيون أنهم أصحابها، إلا أن سياسة فرنسا العامة يمكن تصنيفها على أنها معادية للعرب والمسلمين و داعمة جدا لإسرائيل.

ولفهم هذا التوجه علينا أن ندرك مدى تغلغل الشخصيات الفكرية والمالية اليهودية في منظومة صناعة القرار الفرنسية. ويكفي أن نذكر أن الجالية اليهودية الفرنسية هي الأكبر في أوروبا (550 ألف) وهو ثاني أكبر تجمع لليهود في العالم خارج فلسطين بعد الولايات المتحدة، وأن هذه الجالية تعتبر الأغنى والأكثر  تنظيما في فرنسا.

 ومع بدء ظهور ما يعرف بـ”الجيل الثالث” من المهاجرين المسلمين في فرنسا ومعظمهم من أصول مغاربية والذين انخرطوا بشكل كبير في المجتمع الفرنسي، بدأت سطوة اليهود على الإعلام تنحسر وبدأت الأصوات ترتفع لتقول لصناع القرار كفاكم دعما لإسرائيل. وبدأ نوع من الصدع يظهر في سور الصمت الفكري الفرنسي المنحاز لإسرائيل ولكن التيار الموالي لإسرائيل لا يزال هو المسيطر حتى الآن …

الذي يعنينا في الأمر هو أن فرنسا دولة قوية عسكريا واقتصاديا، وهي القلب المحرك لأوروبا والقائد الفكري والسياسي له، وتمتلك قدرة عالية على التأثير في القرارات الدولية في ظل التشكيلة الحالية للنظام الدولي. لهذا فمن الحكمة التعرف على ما يحدث داخل هذه القوة العظمى. علينا التعرف على طبيعة النظام السياسي الفرنسي وذلك من خلال التعرف على أهم مكوناته من مؤسسات وأحزاب سياسية، ومن خلال الاطلاع على ما يقوله الكتاب الفرنسيون في مجال السياسة والعلاقات الدولية، ففي مثل هذه الدول تكون هذه الكتابات مقدمة لقرارات سياسية مصيرية تصنع بعد ذلك على الصعيدين الداخلي والخارجي.

لذلك أعتقد أنه من الضروري أن يهتم الساسة والأكاديميون والإعلاميون الفلسطينيون بالإطلاع على بعض الأعمال السياسية الفرنسية وترجمتها ومتابعة ما يقال في فرنسا خصوصا فيما يتعلق بالقضايا العربية والإسلامية.

د. كمال المصري

 article_francediplo

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

Information

This entry was posted on يونيو 24, 2013 by in Politics.

الابحار

%d مدونون معجبون بهذه: