د. كمال محمد المصري المدونة الشخصية

تحليلات – معلومات – معرفة – أخبار

قراءات في العلاقة بين تكنولوجيا المعلومات والقوة في القرن الواحد والعشرين

بقلم : كمال المصري

kamal_conf
قديما قالوا أن من يمتلك الأرض والماء يمتلك السلطة، ثم صارت الغلبة للقوة العسكرية التي أعطت الأمم مزايا مطلقة في كل المجالات تقريبا … ومع ظهور التكتلات البشرية الضخمة واختلاط الأمم وتشابك المصالح، أصبح العامل الاقتصادي هو الأقوى في تشكيل قوة الأمم وقدرتها على الهيمنة على الآخرين.
كل ما ذكر صحيح نوعا ما، ولا يزال يلعب دورا مهما في تحديد الملامح الجيوسياسية للعالم بشكل أو بآخر، ومع ذلك فهناك عنصر مهم جدا طالما شكل نقطة قوة للأفراد والأمم على حد سواء، ألا وهو القدرة على التحكم في المعلومات (جمعها وتحليلها وإنتاجها ونشرها …).
وبالرغم من أن أهمية المعلومات لم تكن خافية على أحد منذ القدم، وحتى في العصور القديمة عندما كان الملوك والزعماء يرسلون من يأتيهم بأخبار البلاد والأمم ليبنوا عليها سياساتهم واستراتيجياتهم الاقتصادية والعسكرية، إلا أن أهمية المعلومات بدأت تطغى على الكثير من الأمور الأخرى لعدة أسباب أهمها سرعة تطور وسائل وتقنيات التحكم في المعلومات من جهة، وتعقيد وتشابك العلاقات الاقتصادية والسياسية والصناعية بين البشر من جهة أخرى. كل ذلك أدى إلى ظهور العديد من التخصصات الجديدة مثل التجسس الصناعي، التجسس الاقتصادي، الذكاء الاقتصادي، وغيرها.
نود هنا أن نشير إلى أهمية شركات تكنولوجيا المعلومات المتنامية ليست فقط من الناحية العلمية أو الاقتصادية، وإنما من الناحيتين الأمنية والسياسية أيضا. فالأزمة الدبلوماسية التي وقعت مؤخرا بين الولايات المتحدة والصين، وما كشفت عنه الصحف الأمريكية مؤخرا عن تورط أجهزة الاستخبارات في برنامج للتجسس على المواطنين من خلال حسابات البريد الإلكتروني ومواقع التواصل الاجتماعي المعروف ببرنامج (PRISM) تؤكد الأهمية الجيوستراتيجية لهذا الموضوع. ويكفي أن نشير إلى كتاب صدر مؤخرا بالخصوص بعنوان “العهد الرقمي الجديد : إعادة تشكيل مستقبل الأفراد، الناس والأعمال” للكاتبين إريك شميث وجارد كوهين. يحمل هذا الكتاب مضامين خطيرة أهمها أن الكاتبين يحرضان صراحة على استخدام تقنيات المعلومات كوسيلة سياسية وأداة حرب من قبل الولايات المتحدة الأمريكية حتى وإن كان ذلك على حساب أبسط المبادئ الإنسانية. بحسب هذا التصور، فإن شركات مثل غوغل، مايكروسوفت أو فيسبوك أصبحت مصدر ورمز قوة الولايات المتحدة في القرن الواحد والعشرين كما كانت شركة الصناعات الحربية لوكهيد آند مارتن عليه في القرن الماضي. ومهما ادعت هذه الشركات عدم تورطها في التجسس على مستخدميها، فجميع المؤشرات تؤكد ممارستها لهذا النوع من التجسس بشكل أو بآخر. بناء على ذلك، فمن الطبيعي أن تتصارع الأمم الكبر ى فيما بينها في الخفاء للتحكم في مفاصل تكنولوجيا المعلومات والاتصالات عالميا وذلك من خلال عدة وسائل فنية (المعايير الفنية والاختراعات التكنولوجية، …) وغير فنية (القوانين، وبرامج التمويل والتجسس، …).
إن تطور تكنولوجيا المعلومات واستخداماتها يجب أن يدعونا للتفكير بطريقة مختلفة كليا لأن عدم الانتباه لهذا الأمر سيجعلنا نفرط في معلومات كثيرة لم نكن لنقبل بأن يحصل عليها الآخرون في الظروف العادية. لقد أصبح من السهل التجسس على أي مواطن وبدون تكلفة خصوصا عندما يتعلق الأمر بالضعفاء. فإذا علمنا أن الملايين تستخدم تكنولوجيا المعلومات والاتصالات بشكل يومي، وأنه يتم تفعيل أكثر من مليون هاتف خلوي ذكي يعمل بنظام غوغل يوميا، وأن البريد الإلكتروني يمرر يوميا المليارات من الرسائل والصور وغيرها، يمكننا أن نؤكد بأن من يمتلك السيطرة على هذه التقنيات سيكون بلا شك القوة العظمى بلا منازع. ولا شك أن دولا مثل الولايات المتحدة سوف تركز في المستقبل على هذا السلاح خصوصا بعد أن سئم مواطنوها من خوض الحروب التقليدية.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

Information

This entry was posted on يونيو 24, 2013 by in Technology،تحليلات.

الابحار

%d مدونون معجبون بهذه: